حسن الأمين

245

مستدركات أعيان الشيعة

تهب رياحا في عداك خبيثة وطيبا عليك ردعها متسارع كان « اليماني » حل منها عيابه تفاوح من « دارين » فيها البضائع متى ضحكت لي من سمائك برقة حكت لك أرضي كيف تزكو الصنائع وإن كان يوم في الحوائج شافعا إلى النجح ، إن المهرجان لشافع السيد محمد الأمين بن السيد علي . مرت ترجمته في المجلد التاسع ، الصفحة 126 . وأشير فيها إلى مساهمته في الحركة الاستقلالية العربية الأولى وننشر هنا بعض التفاصيل عن تلك الحركة لارتباط حياة المترجم بها ، وقد كتب ذلك عادل الصلح في كتابه ( سطور من الرسالة ) : لقد تعددت العوامل التي كانت تتضافر على تفتيت الكيان العثماني ، منها ما هو داخلي متات من النظم الاستبدادية المطبقة على الأفراد والجماعات في أراضي الدولة ، ومنها ما هو خارجي متراكم على مرور الزمن . والواقع اننا إذا ألقينا نظرة شاملة على المحاولات النظرية في حقول الإصلاح ، لتبين لنا ان المسؤولين في الدولة العثمانية كانوا يحسون بما يعتمل في الصدور . فقد كانت النفوس متحفزة في بعض العهود ، لا سيما الأخيرة منها ، لوثبات تؤدي إلى تبديل الأوضاع وتدني الحكم العثماني - قدر الاستطاعة - من النظم الحديثة المطبقة في بلدان أوروبا وأميركا الشمالية . ولذلك كان بعض الحاكمين يطلعون على الشعوب الخاضعة لهم ، بين حين وآخر ، ببيانات وقوانين يضمنونها الحقوق الصريحة والأنظمة الراقية ، ويقطعون في ذلك الطريق على طالبي الإصلاح حتى إذا سنحت لهم الفرصة ، ورأوا أن دعاة الحرية والعدالة والمساواة ضؤل شأنهم ، ألغوا ما وضعوه من دساتير وما سنوه من قوانين ، وعادوا سيرتهم الأولى في الاستبداد في إدارة شؤون رعاياهم . وهذا التجاذب الدائم ، بين طموح الأحرار ، وأنانية أصحاب السلطان ، أوقع الحكم العثماني في مازق ، كثيرا ما جعلته عرضة للمخاطر والمهالك . وكانت العوامل الخارجية في وجوهها المتعددة ، تفيد من حالة الاضطراب والقلق هذه ، وتعمل على إذكائها في مساعدة الفساد على التفشي ، والظلم على الاستشراء . وتتجاذب القوى العالمية الحاكمين في اتجاهات متعاكسة ، فتشد من ازرهم حينا ، وتقلص ظلهم أحيانا . وتقف بريطانيا إلى جانبهم احتراسا من الخطر الروسي وغيره ، وتتحرك الجيوش الأجنبية فتقضم أطراف السلطنة شيئا فشيئا . وقد تتوجه بقواها في طريق العاصمة فتهتز عواصم الغرب ، وتلتئم المؤتمرات ، وتعقد المعاهدات ، لتحول دون انحلال الدولة وانهيارها ، فتستمر بفضل التنافس الدولي قائمة ، ويظل الإصلاح المنشود مغفلا في زوايا الإهمال . وفي الحقبة الأخيرة من القرن التاسع عشر ، كانت الاضطرابات تعم أكثر المقاطعات العثمانية الأوروبية . ففي الجبل الأسود وبلاد الصرب ثورات ، وفي سائر المناطق عصيان واضطراب . ( 1 ) وفي عام 1877 وقعت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية ، وكانت حربا طاحنة اهتمت لها دول العالم أيما اهتمام ، لارتباط الكثير من المصالح الحيوية لكبريات هذه الدول ، بأحوال الدولة العثمانية . وقد كانت الغلبة في النهاية للجيش الروسي ، الذي وصلت طلائعه ، في إحدى ليالي شهر آذار عام 1878 ، إلى سان استفانو . ( 2 ) وعند فجر اليوم التالي لوصوله ، فوجئ القواد الروس بالأسطول الانكليزي يقابلهم في البحر . وكان ذلك نذيرا لهم بان لا يتقدموا أكثر مما فعلوا . وتفاوض الفريقان ، العثماني والروسي ، وعقدا معاهدة كانت شديدة القساوة على الدولة العثمانية ، حتى أصبحت بذلك في حالة قريبة من الانهيار . وكما كانت الدول الكبرى تسعى للإفادة من حالة الاضطراب السائدة في أراضي الدولة ، كذلك كانت القوميات التابعة لها تعمل لخلق كيانات مميزة لها . قال والدي منح الصلح فيما كان يحدثني به : كان الوعي العربي ، قبيل الحرب الروسية العثمانية التي تقدم ذكرها عام 1877 - 1878 وأثناءها ، ينمو في سوريا باضطراد ، وكانت الدولة العثمانية في هذه الفترة من الزمن تبدو مشرفة على الزوال . فالشعوب البلقانية : البلغار ، والجبل الأسود ، والصرب ، والافلاق والبغدان ( 3 ) ، تطالب بمنحها المزيد من مقومات السيادة الوطنية . والأرناؤوط ( 4 ) يطلبون صيانة بلادهم من الاحتلال الأجنبي ، والولايات الأرمنية تطالب باصلاحات إدارية ، والنمسا تطمع بالاستيلاء على ولايتي البوسنة والهرسك والروس يطمعون باحتلال بعض الولايات في شمال شرقي الأناضول إلخ . . فكان وضع الدولة المضطرب ، والوعي القومي النامي في سوريا ، حافزين أهابا بأهل البلاد ليتداولوا في ما يجب عمله لتجنيب وطنهم المصير السيء ، ومن أفجع صوره وقوع احتلال أجنبي . ( 5 ) وقامت لتامين هذا القصد حركة فكرية ، ثم حركة عاملة فاعلة ، اتخذت لها بيروت منطلقا . وكان من أسباب هذا الاختيار أن الرجل الذي

--> ( 1 ) نورد هنا فقرة من خطاب العرش الذي ألقاه السلطان عبد الحميد الثاني في جلسة افتتاح المجلس العمومي الأول ( الأعيان والمبعوثان ) الذي أنشىء بعد إعلان دستور سنة 1876 . وفيها وصف للحالة السيئة التي وصلت إليها الدولة العثمانية في ذلك الحين : « فدواء هذه الغوائل وتعاقبها من الجهة الواحدة ، ومداركة وإنشاء الأدوات والأسلحة الجديدة الحربية التي هي أعظم أسباب شوكة دولتنا واقتدارها ، وعدم وضع وارداتنا ومصاريفنا تحت موازنة اقتصادية من الجهة الأخرى ، أفضتا إلى انتقاص ادارتنا المالية درجة فدرجة ، فأنتجت ما نحن فيه الآن من المضايقة الخارقة للعادة ، وأعقب ذلك ظهور وقوعات هرسك المنبعثة من أثر الفساد والتحريك التي تجسمت أخيرا ، ثم افتتحت بغتة محاربات بلاد الصرب والجبل الأسود ، وظهرت في عالم السياسة أيضا فتن واختلالات كبيرة . وفي ذلك الزمان الذي فيه تهورت دولتنا في بحران عظيم ، وقع جلوسنا بإرادة جناب الحق الأزلية على تخت أجدادنا العظام . ولما كانت درجة المخاطر والمشكلات التي حاقت بأحوالنا العمومية غير قابلة القياس مما تقدمها من الغوائل التي تهورت بها دولتنا حتى الآن ، قد اضطرت لأجل المحافظة قبل كل شيء على حقوقنا ، أن أزيد معسكراتنا في جميع الجهات ، حتى وضعت تحت السلاح نحو ستمائة ألف عسكري » . عن « كنز الرغائب في منتخبات الجوائب » . ( 2 ) ضاحية من ضواحي إستانبول ويطلق عليها اليوم اسم « يشيل كوي » وفيها مطار المدينة . ( 3 ) رومانيا . ( 4 ) الألبان . ( 5 ) من مذكرة المركيز سالسبري ناظر الخارجية الإنكليزية إلى سرهنري ليارد سفير انكلترا في الآستانة بتاريخ 30 مايس سنة 1878 : « ان دولة السلالة السلطانية دولة قديمة ، وقد ملكت البلاد تغلبا ، ولم تبرح بمنزلة الأجنبي عنها ، وأكثر اعتمادها على القدرة لا على ميل من غلبتهم إليها ، فما أصاب عساكرها من الهزيمة وحكومتها من العنت والارتياب من شانه أن يحمل الناس على أن يعتقدوا انحلالها وحدوث تغيير سياسي سريع . وهو في الشرق أكثر ضررا من عدم الرضى بثبات حكومتها . فإذا رأى سكان سوريا وآسيا الصغرى والعراق أن الباب العالي ليس له تامين على بقائه سوى ما بقي له من القدرة ، تشتغل أفكارهم ، بعد أن ظهر من الوقائع ما دل على وهن هذا الأمل بان الدولة العثمانية لا تلبث أن تسقط فينتظرون من يخلفها « . ( كنز الرغائب في منتخبات الجوائب صفحة 357 الجزء السادس ) .